عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

23

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ خطبة ] أحمد اللّه الذي نوّر قلوب العارفين بنبراس معرفته ، وأشهدهم جمال جلاله في حقائق مبدعاته بمنّته ، وحجبهم عن شهود غيره لغيرته ، وزيّن ذواتهم بحلل شريعته ، وعرف مشام أسرارهم بنفحات عرف حضرته ، واصطفاهم لنفسه من بين خليقته ، وأصلّي على أقربهم إليه بذاته ومرتبته ، من خصّه بمقام محبته ، وهداه إلى حقيقة ذاته وصفاته ، سيد ولد من خلقه بيده ، وشرّفه بذلك على ملائكته ، وعلى آله الذين ورثوا أسرار حقيقته ودقائق طريقته ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم بعثته . أما بعد فاعلم أن اللّه سبحانه وتعالى لمّا حجب خاصّة حضرته وخلاصة أهل محبته بحجاب غيرته ، جهلت مقاديرهم ، فلم يعرفهم سواه ، كما أنهم لا يشهدون إلا إياه ، ونسب إليهم ما يحلّ شأنهم عنه ، فكانوا بذلك على صفة مولاهم ، لأنه سبحانه لما احتجب عن الخلق جهل قدره كما قال تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : الآية 91 ] فنسب إليه ما يجل جناب عزّته عنه سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا ، ولولا حلمه وفضله ، لما دبّ على البسيطة أحد ، ولا تعقل والد وولد . هذا ولمّا كانت طائفة الفقهاء رضي اللّه تعالى عنهم من خواص حملة الشريعة المحمدية ، وقد أقام اللّه بهم الكلمة العليا ، ودحض بهم الكلمة السفلى ، لأن إظهار الدين بالسّنان واللسان ، وهم رضوان اللّه تعالى عليهم أهل الحجة والبرهان ، ووزعة أهل الإلحاد والخسران ، وأيم اللّه لولا هذه الطائفة السعيدة لطغى الإلحاد وفسدت عقائد العباد . ولمّا كانت غيرتهم وحميّتهم في غاية الكمال ، اشتغلوا بدقة النظر في جميع الأقوال والأحوال ، أدّاهم ذلك إلى أن سحبوا ذيل الإنكار على الأخيار والأشرار ، وكفّروا كل من لم يقل بجميع ما أنتجه فكرهم ، وقالوا : نظرنا موافق الكتاب والسّنّة ، فمن خالفه خالفهما ، ومن خالفهما كفر ، وانجر الأمر إلى أن كفّروا طائفة الصوفية التي هي زبدة خلاصة صفوة خاصّة الخاصّة ، لمّا سمعوا منهم ما يخالف رأيهم ،